مقالات صحفية

“أي رسائل حملها براك؟” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

صدم الموفد الرئاسي الأميركي السفير توم براك الأوساط اللبنانية على اختلافها، بالأسلوب المرن الذي اعتمده خلال زيارته الثانية الى بيروت، في إطار المهمة الموكلة إليه، والتي تقضي باستكمال تطبيق بنود وقف إطلاق النار، والمقصود بها تحديدا، حصر السلاح بيد السلطة اللبنانية وحدها دون سواها. ففي وقت جرى التمهيد لجولته الثانية بأجواء عالية السقف في حال لم يعلن لبنان موافقته الصريحة والتزامه العلني، جاءت مواقف براك مرنة وديبلوماسية بدل أن تكون صارمة وحربية.
وبعد مغادرة براك بيروت، إنصرف اللبنانيون في تفسير وتحليل الخلفيات لما اعتبروه مرونة أميركية مستجدة. مع الإشارة هنا الى أن زيارة براك كان قد استبقها حزب الله بتوجيه رسالتين: الأولى سياسية حادة عبر خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم في ذكرى عاشوراء، والثانية ميدانية معبرة من خلال العراضة المسلحة في منطقة زقاق البلاط وعلى مقربة من مقر رئاسة الحكومة. والجامع المشترك بين الرسالتين رفض حزب الله تسليم أي نوع من أنواع أسلحته، وأنه مستعد للمواجهة إذا اقتضى الأمر، وهو ما عنته العراضة المسلحة. وقد يكون رد الدولة اللبنانية بملاحقة وتوقيف المشاركين بمثابة الرسالة الجوابية. لكن لا يجب الغرق كثيرا في الصيغة المرنة التي تعمدها الزائر الأميركي، فثمة مضامين مهمة مررها بسلاسة، وهي تصب في إطار المواقف التي تتمسك بها واشنطن: لن يكون هنالك جناح عسكري لحزب الله، وهذه مهمة لبنانية. وهنا لا يمكن التغاضي عن الرسالتين الحرببتين الإسرائيليتين. الأولى والتي استبقت وصول براك عبر غارة خلدة عند تخوم العاصمة بيروت والتي استهدفت ضابطا في الحرس الثوري الإيراني، والثانية جاءت مع انتهاء مهمة براك والتي تمثلت باستهداف نادر طال مسؤول في حركة حماس في منطقة الشمال بالقرب من طرابلس. وإذا كان هنالك من خيوط تربط بين مهمة براك ورسالتي إسرائيل، فلا بد من الإستنتاج بأنه خلف الكلام الديبلوماسي للموفد الرئاسي الأميركي تحذير من تحرك حربي إسرائيلي لن تعمل واشنطن على لجمه هذه المرة.
لكن في المرونة التي حرص عليها براك إشارات واضحة الى دعم أميركي مستمر للتركيبة القائمة على مستوى السلطة اللبنانية. إذ لا يجوز الخلط بين الضغوط التي تستهدف سلاح حزب الله وحماية التركيبة القائمة على مستوى الدولة اللبنانية. فالمماحكات الداخلية اللبنانية معروفة، ولا يجوز تسجيل نقاط داخلية ضيقة على حساب الملف الكبير المطروح.
لكن ثمة ما هو أبعد من هذا كله. فالسفير براك وبخلاف ما قاله خلال زيارته الأولى، إعتبر هذه المرة أن لا علاقة للملف اللبناني بالمفاوضات مع إيران. البعض فسر كلام براك بحرفيته وبأنه موجه لفريق السلطة اللبنانية، فيما ذهب آخرون أبعد من ذلك، وحيث اعتبروا أن كلام الموفد الأميركي موجه لحزب الله ومن خلفه لإيران، وفحواه أن واشنطن لن تدخل الملف اللبناني في بازار المقايضات من خلال المفاوضات مع طهران. أي أنه لن تكون هنالك أثمان مقابل وقف الوظيفة العسكرية لحزب الله.
ومن هذه الزاوية يمكن إدراج تفسيرات إضافية للتشدد الذي أبداه حزب الله، والذي قوبل بمرونة أميركية شكلية. فثمة حركة تفاوضية ناشطة تدور في الكواليس بين واشنطن وطهران، والتي ستؤدي في نهاية المطاف وفي مهلة لن تتجاوز مطلع الخريف المقبل، لترتيب الساحة اللبنانية وفق خارطة النفوذ السياسية الجديدة التي ترسمها إدارة ترامب للمنطقة، والتي لا تلحظ حضورا ونفوذا عسكريا لإيران عند الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط.
فخلال الأيام الماضية استعاد ترامب بعض النشوة التي كان بدأ يفقدها منذ دخوله الثاني الى المكتب البيضاوي. فالإخفاقات المتتالية التي منيت بها سياسته على الصعيدين الداخلي أو الدولي على السواء تراجعت، ليحصد نقاطا ثمينة هو بأمس الحاجة إليها. فخلال الأسبوع الماضي سجل ترامب إنتصارا داخليا ثمينا في الكونغرس، ولو أنه انتزعه بشق النفس. فلقد نجح بتمرير مشروع قانون الإنفاق والخفض الضريبي في مجلسي النواب والشيوخ رغم المعارضة الشرسة له. صحيح أن الفارق جاء بصوت واحد في مجلس الشيوخ، لكنه في النهاية نجح في فرض أجندته.
وعلى المستوى الخارجي وبعد إخفاقه في أوكرانيا، ثبت ترامب أحادية “الهيمنة” الأميركية على منطقة الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود. فجاءت “ضربته” الجوية على إيران لتكرس التحولات التي أنتجتها الحروب المفتوحة منذ عملية “طوفان الأقصى” في غزة، ولتثبت الدور الوحيد في المنطقة للولايات المتحدة الأميركية. فمن نتائج المغامرة العسكرية الأميركية على إيران جعل الأخيرة مضطرة للإرتماء في أحضان واشنطن بعد أن بدت مكشوفة الرأس على المستوى الدولي خلال حرب ال12 يوما. ومع اتضاح القرار الأميركي بعدم النية بهز النظام الديني القائم، بدا أن الهدف الأميركي الفعلي هو باستهداف الدور الإقليمي لإيران في المنطقة وليس أبدا ضرب النظام القائم. أو بتعبير أوضح أن ترسم إيران حدود نفوذها من دون مبالغات، وفق ما ترتئيه واشنطن. ومن هنا قد يكون البيت الأبيض يعتقد أن الظروف التي تكونت بعد كل ما حصل، باتت أكثر نضجا للعودة الى مفاوضات أكثر واقعية، في وقت يعتقد فيه ترامب أنه بات يمسك بشكل كبير بزمام المبادرة. وما من شك بأن “تفاؤل” الرئيس الأميركي لا بد أن يكون مبنيا على كلام يدور في الكواليس. وما يعزز هذا الإعتقاد إعلان الرئيس الإيراني بإسم المرشد بأن مجالات الإستثمار في إيران مفتوحة أمام الأميركيين. هي وصفة إغراء فعالة عند ترامب، لكنها في الوقت نفسه تؤشر لمسار تفاهمي بات جاهزا بين طهران وواشنطن. وما رشح عن زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الى واشنطن يعزز هذا الإنطباع.
وهذا المناخ الواعد قد يكون أيضا أحد أسباب المرونة الشكلية التي طبعت الزيارة الثانية لبراك. فواشنطن تدرك جيدا مدى الترابط الضمني بين لبنان وإيران. ما يعني أن منح لبنان بعض الوقت قد يكون له علاقة بالمستجدات الأميركية_الإيرانية. لكن من الخطأ الإعتقاد بأن هدف واشنطن بإخراج إيران من دائرة النفوذ الإيراني قابل للتعديل. وهذه هي إحدى رسائل الزيارة الثانية لبراك.
ولأن المؤشرات الحقيقية يمكن استنتاجها من الحركة العسكرية، فإن واقع القوات الأميركية في المنطقة يظهر بأنها لم تعد في حالة استنفار، وهو ما يعني بأنها لم تعد في حالة حرب. لكن وفي الوقت نفسه فإن حال الإستعداد بقيت هي السائدة تحسبا لمفاجآت مستقبلية قد تحدث. أي في حال فشل المفاوضات كل شيء يصبح واردا. ولذلك ستبقى حاملة طائرات على الأقل موجودة في المنطقة. كذلك لن يجر وضع القوات الأميركية في حال استرخاء، بل في وضع الجهوزية، أي في المرحلة التي تسبق حالة الإستنفار.
وهو الواقع الذي يظلل لبنان. فباب إعطاء المزيد من الوقت سيكون محدودا، والأهم أنه سيسير على وقع الخروقات والإغتيالات الجوية اليومية للطائرات الإسرائيلية. وإشارة براك حول الدور السياسي لحزب الله إنما يعني إنتفاء دوره العسكري، وضمنا تلميح أميركي بالإعتراف به كحزب سياسي، وشطبه عن قائمة الإرهاب.
براك سيعود مبدئيا قبل نهاية الشهر الحالي، وهو يريد تسريع تطبيق البرنامج الموضوع. وهو عبر عن ذلك بقوله بأن رئيسه “يضيق خلقه” بسرعة. ورغم ذلك فإن ترامب ما يزال مفعما بالأمل وفق المعطيات التي يملكها. ومن مؤشرات ذلك أنه ما يزال يتعاطى مع ملفات المنطقة من خلال موفدين شخصيين له، ستيف ويتكوف وتوم براك، وليس من خلال وزارة الخارجية. ذلك أنه يريد مردودا كاملا وصافيا له لاستثماره داخليا.
في هذا الوقت فلا بد للبنان أن يحذر. فالسفارة الأميركية في لبنان لم تنظم إحتفال الرابع من تموز ككل عام لأسباب الحذر الأمني في أغلب الظن. وبراك يريد إنهاء مهمته قبل نهاية الصيف، مع العلم أنه جرى تأجيل موعد جلسة الإستماع للسفير الجديد ميشال عيسى في الكونغرس الى شهر أيلول. في وقت تستمر فيه الطائرات الإسرائيلية تعكر على اللبنانيين صفاء السماء في فصل الصيف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى