
يبدو أن معظم المعايير في العالم العربي هي استنسابية ومقلوبة، وثمة اسئلة تتردد: لماذا كلما ازداد الإنسان علمًا في هذا الشرق الملعون جلب اللعنة لنفسه ، وازداد قربًا من الأقصاء ؟ ولماذا كلما ازداد جهلاً وتفاهة كان محظوظا ً واقترب من الشهرة التي تُمنح غالباً لمن يبيع عهرًا لا فكرًا ؟ كذلك لماذا يُعامل الفهيم كمجرم يستحق العقاب أو الإقصاء؟ولماذا حين يصدح صوت العالِم بالحقيقة يُتهم بالتآمر ؟ ولماذا حين يطالب المثقف بالمحاسبة، يُلاحَق بتهم “التشويش على السلم الأهلي”؟ أما الجاهل فيُزيَّن له العرش لأنه لا يسأل لا يعارض ولا يهدد مصالح “الكبار”.
الشهرة اليوم تُصنع بمعظمها من الفضائح لا من الفكر . ويتصدّر المشهد من يتقن فن الاستعراض، لا من يُتقن هندسة الأفكار أو يزرع بذور المعرفة في الأذهان. ومع كل ذلك، يظل السؤال المؤلم: هل هذا الواقع ينطبق على لبنان الذي كان يُعرف بسويسرا الشرق ولم يكن يومًا بلدًا عاديًا؟ بلدٌ صغير، لكن فيه ما يكفي من العباقرة والمبدعين ليُضيئوا قارة. غير أن هذا البلد نفسه شهد في السنوات الأخيرة هجرة العقول، انهيار المؤسسات، استقواء الجهلاء واستبعاد المثقفين أصحاب الكفاءات.
نعم اصدقائي ، لبنان للأسف جزء من هذه المنظومة المريضة . بلد يُقصي أولاده النجباء، ويرتّب الصفوف الأولى لمن “يفهم اللعبة”ويعلن ولاءه لفريق سياسي معين “ويلحّق حاله” . لكن لبنان بلد لا يموت ، بلد فيه ومضات من نور تقاوم، أقلام تكتب رغم الرقابة، أصوات تعترض رغم القمع، وقلوب تحب لبنان الحقيقي لا النسخة الممسوخة. قد يكون الفهم اليوم تهمة والعلم خطرًا لكن المعرفة لا تُسجَن . هي تتسلل في العقول، تضيء شموعًا صغيرة، حتى تنفجر يومًا كالنور في العتمة. المعادلات المقلوبة لن تدوم إلى الأبد. وحين يُكرَّم العالم ويُحاسب الجاهل وتُحتضن الفكرة بدل أن تُنفى، سنكون قد بدأنا أول خطوة نحو الشفاء والتعافي يا صديقتي الاعلامية العنيدة .