مقالات صحفية

“خريف لبنان المكفهر” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

بعد انتهاء جولته الثالثة والتي حفلت بإطلاقه مواقف متأرجحة ومتناقضة، عمد الموفد الرئاسي الأميركي السفير توم براك فور وصوله الى باريس على توزيع تغريدات ثلاث عبر منصة إكس جاءت كخلاصة لجولته اللبنانية. وفي وقت غلب فيه التشدد عليها، بدا وكأن الموقف الأميركي الفعلي يتلخص فيها بعد مشاورات سريعة لا بد أن تكون قد حصلت بين براك وواشنطن.
ووسط برنامج الزيارة المزدحم للسفير الأميركي في لبنان، كان واضحا أن التطورات الدموية المستجدة في جنوب سوريا كانت ترخي بثقلها على لقاءات براك. ولذلك حظي اجتماعه بالرئيس السابق للحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط أهمية توازي الإجتماع الذي عقده برئيس المجلس النيابي نبيه بري. ففي لقائه مع جنبلاط تركز الشق الأساسي من الحوار حول أحداث السويدا والخلفيات والأبعاد المستقبلية لها، فيما احتل الملف اللبناني مساحة عادية. وفي لقاءاته الأخرى تعمد براك قطع الحديث فورا عند التطرق الى مسألة الضمانات المطلوبة. وقيل أن براك كان يقطع الحديث بأسلوب جاف قائلا: ليس هنالك من ضمانات. وقد يكون جوابه المقتضب والحازم في آن معا بناء لنصيحة فريق العمل الذي يواكبه: إنتبه من الغرق في التفاصيل وهو أسلوب يتقن البعض ممارسته. وقد يكون هذا الفريق رأى في جواب الرئيس نبيه بري تأكيدا لملاحظاته. في أي فإن تغريدات براك الثلاث الباريسية أعطت إنطباعا تشاؤميا حول مسار الأمور، وجاءت نتائج زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الى باريس واجتماعه بالرئيس إيمانويل ماكرون لتعزز الصورة السلبية. فالإستنتاج الأميركي بات واضحا بأن حزب الله لن يقدم على تسليم سلاحه الثقيل، وأنه يسعى فقط لكسب الوقت والرهان على مستجدات ومفاجآت علمتنا الأحداث التاريخية أنها قابلة للظهور في أي لحظة في الشرق الأوسط. وجاءت أحداث الجنوب السوري لتدعم موقف أصحاب هذا الرهان.
وليس صحيحا أبدا أن واشنطن فوجئت بالأهداف الإسرائيلية والتي ظهرت خلف دخان أحداث السويدا. فهي تعرف جيدا سعي إسرائيل لدفع الساحة السورية كما ساحات أخرى للتفتيت والتقسيم. وكلام براك حول سايكس_بيكو جديد يظهر بوضوح وجود تفاهم أميركي_إسرائيلي حول مستقبل المنطقة. لكن الخلاف هو حول البرنامج الزمني للوصول الى هذا الواقع. ففيما تريده إسرائيل الآن وبسرعة فإن واشنطن ترى وجوب سلوك مراحل متعددة. وحيث أن المرحلة الحالية تستوجب المحافظة على سلطة الشرع لإنجاز أهداف عدة، أبرزها على الإطلاق إلقضاء على مكامن النفوذ الإيراني. فمن المبكر الدخول في فوضى ستمنح طهران فرصة لاستغادة حضورها. فإيران أثبتت قدرتها على تعزيز حضورها ونفوذها من خلال تطويع حال الفوضى لصالحها طوال العقود الماضية، في وقت كانت مكاسب أخصامها تتحول الى خسائر لا بل كوارث. و”السخاء” الأميركي تجاه الشرع سببه الرهان على دوره في تصفية الحضور الإيراني، إضافة الى تأمين الظروف المؤاتية لقطع الأوكسيجين التسليحي عن حزب الله، وربما أكثر. وكذلك بناء حائط صد منيع يفصل سوريا عن المناطق الشيعية في العراق.
وفي اجتماع باكو بين الوفدين السوري والإسرائيلي تردد أن دمشق طرحت هواجسها بسبب الوضع في جنوب سوريا، وأنها متمسكة ببسط سلطتها على كافة الأراضي السورية. ووفف تسريبات ديبلوماسية فإن الجواب الإسرائيلي جاء ملتبسا، وهو ما جعل الوفد السوري يعتقد بعدم وجود موانع حقيقية أمام استعادة الحضور الكامل لسلطة دمشق. وتعززت هذه القناعة مع وقوف إسرائيل من دون أي حركة في أول ثلاثة أيام. ومن هذه الزاوية ثمة من يرى في مرونة الوفد الإسرائيلي في باكو فخا وقع فيه الشرع، والهدف كان بتأمين ظروف الفصل بين السويدا ودمشق، وهو ما تحقق بسبب حجم المجازر التي حصلت، والتي تركتها إسرائيل تحدث، بهدف توسيع الهوة بين الدروز والمعروف عنهم بأنهم مجتمع ثأري وبين نظام الحكم الديني في دمشق. واستطرادا فإنه بات من الصعوبة بمكان ردم هذه الهوة، لا الآن ولا في المستقبل القريب. وبات إنفصال السويدا عن دمشق واقع حكما بفعل غليان النفوس، وأيا تكن أشكال الحلول والصيغ التي ستعتمد لاحقا.
وفي الوقت نفسه أظهرت المشاهد البشعة للمجازر التي حصلت أمرا من إثنين: إما أن السلطة التي يترأسها الشرع ما تزال تنبض وفق عقيدة جبهة النصرة وهو ما تستبعده واشنطن، أو أن الشرع ما زال عاجزا عن الإمساك بكافة الفصائل المنضوية ولو صوريا تحت رايته، وهو ما ترجحه الأوساط الدولية. ومن هنا كانت الإندفاعة العاجلة لمنح سلطة دمشق دعما إقتصاديا فوريا بهدف شحنها بمضادات حيوية هي بأمس الحاجة إليها لتعزيز قبضتها. كذلك باشرت تركيا بتسليم المجموعات الموالية بالكامل للشرع ببعض الأسلحة والمعدات مثل ناقلات جند مدرعة من صناعة تركية. فأنقرة التي رأت في “الفخ” الإسرائيلي ضربة مباشرة لها ولنفوذها الجديد في المنطقة، إنتابتها الخشية من تمزق ورقة سوريا بين يديها. أضف الى ذلك أن أحداث السويدا ستدفع الأكراد لعدم تطبيق الإتفاق الداعي لتسليم أسلحة قسد وضمها الى مؤسسات الدولة السورية. وهنا الخطر بالنسبة لتركيا لا يتوقف عند خسارة الورقة السورية بل يتمدد ليصبح خطرا داخليا لتركيا.
لأجل ذلك كان مفهوما طغيان ملف السويدا على جولة براك الثالثة. فعدا أن حزب الله حاز على حجة قوية إزاء ملف سلاحه، فإن السؤال الأبرز تركز حول النوايا الإسرائيلية والحركة التي باشرت فيها تل أبيب.
وتروي أوساط ديبلوماسية أوروبية أنه وخلافا لكل اللغط السائد في وسائل الإعلام فإن إسرائيل ومن خلال قنوات تواصل جانبية لا تبدو متحمسة لاتفاق تطبيع مع دمشق. هي تبحث عن أهداف أخرى طابعها أمني أكثر منه سياسي، ولهذا معناه العميق. فالدوائر الإسرائيلية المعنية بالدراسات ووضع التصورات والتي تبدو منغمسة في هذه المرحلة بالبحث بالأوراق التاريخية، وخصوصا تلك المتعلقة بمرحلة ولادة خرائط سايكس_بيكو، إقترحت الذهاب الى إعادة إحياء إتفاقية “حسن الجوار” والتي جرى توقيعها في العام 1926 بين فرنسا والتي كانت تنتدب سوريا وبريطانيا والتي كانت تنتدب فلسطين. فما بين عام 1920 أي ما بعد مؤتمر سان ريمو الذي كرس ترسيم حدود المنطقة وعام 1923 جرى إقرار سلسلة إتفاقيات بين الفرنسيين والبريطانيين حول سوريا وفلسطين، جرى خلالها رسم الحدود بين البلدين. وجرى لاحقا تعديل هذه الحدود بما يتلاءم مع المطالب الصهيونية خصوصا في الشمال الشرقي حيث منابع نهر الأردن وبحيرة طبريا. وجرى تثبيت هذه التعديلات في العام 1926 وضمها الى فلسطين لتصبح لاحقا من نصيب إسرائيل. هكذا تخطط إسرائيل للعقود اللاحقة.
والإستنتاجات حول الخلفية الحقيقية لإسرائيل جراء طرحها لاتفاقية “حسن الجوار” وليس للتطبيع تتراوح بين أمر من إثنين: إما أنها لا تفكر ولا تعمل إلا للمنطقة الأمنية العازلة في جنوب سوريا تمهيدا لتطويرها لاحقا باتجاه منطقة مستقلة، أو أنها واثقة بأن سلطة الشرع في دمشق ضعيفة وغير ممسكة بالشارع وبالتالي قد لا تستمر طويلا، ما يجعل من مسألة الدخول في مشاريع ومستوجبات التطبيع بمثابة إضاعة للوقت.
وطالما أن الصورة المطلوبة من لبنان قد لا تختلف كثيرا عن المشهد السوري من الزاوية الإسرائيلية، فعندها يمكن إيجاد التفسير الإسرائيلي الحقيقي لرؤية تل أبيب لواقع المنطقة الممتدة من الحدود وصولا الى نهر الليطاني.
لكن لواشنطن رؤية مختلفة للمرحلة الراهنة. فهي لا تبدو في وارد الدخول في ورشة تعديل الحدود الجغرافية لدول المنطقة، ولكنها لا تمانع بالذهاب الى صيغ حكم جديدة تخفف من قبضة السلطة المركزية لصالح تعزيز السلطات المحلية للمناطق ولو بدرجات متفاوتة. من هنا طرح الإدارات المحلية والتي أضحت أمرا واقعا في السويدا. لكنها تحاذر جدا أن يتمدد هذا الواقع الى منطقة الساحل السوري حيث ما تزال تتواجد قواعد تدين بالولاء لآل الأسد والذين ما زالوا يحتفظون بعلاقة مع إيران. أي عدم إفساح المجال أمام ثغرات تسمح بإعادة تعزيز نفوذ إيران. وفي الوقت نفسه سترتفع حفيظة تركيا بسبب الأكراد والساحل السوري، وأيضا معارضة السعودية الشديدة لأي عبث بالسلطة الفتية الناشئة في دمشق.
ووفف كل ما سبق يصبح فإن المشهد اللبناني يصبح أكثر وضوحا. فإسرائيل لا تبدو في وارد “المساومة” على الوضع في جنوب لبنان. ولهذا فهي تدفع باتجاه “تهشيل” قوات الطوارىء الدولية، ويساعدها البعض في هذا الهدف من دون إدراكه أبعاد ما يفعل. وهي أيضا تريد القضاء نهائيا على ما تبقى من نفوذ إيراني في لبنان، وهي في هذه النقطة تتقاطع مع الرؤية الأميركية. وهو ما يدفع للتوقع بأن تشهد الأسابيع والأشهر المقبلة تصعيدا في عملية الضغط المالي والإقتصادي على لبنان، وهو ما لخصه توم براك بإحجام بلاده عن مد يد المساعدة للبنان. والأخطر إعادة رفع مستوى الحرب والإعتداءات على لبنان طالما أن أبواب الحرب لم تقفلها إسرائيل، وهو ما يسمح لها برفع مستوى حربها الجوية الى الحد الأقصى في اللحظة التي تراها ملائمة. ففي الكواليس يتردد كثيرا موعد شهر تشرين الثاني المقبل. وهذا الموعد يتطابق مع ما قيل عن برنامج زمني حمله براك لإنهاء ملف سلاح حزب الله، والذي يبدأ مع مطلع شهر آب ويمتد لثلاثة أشهر، أي نهاية شهر تشرين الأول المقبل. كما أن هذا البرنامج يتلاءم مع حسابات خليجية حول ضرورة حسم المعادلة اللبنانية الجديدة، وبحيث تحمل الإنتخابات النيابية المقبلة مجلس نيابي بتوازنات تتجانس مع التوازنات التي رست عليها السلطة في لبنان، وهو ما سيفتح الباب أمام حقبة لبنانية جديدة وعلى أنقاض الحقبة القديمة.
وثمة مؤشر آخر لا بد من القراءة في خلفياته الدولية. فلقد كان من المقرر أن يعلن قاضي التحقيق في ملف إنفجار مرفأ بيروت طارق البيطار القرار الظني في الذكرى الخامسة للإنفجار. وكان تردد أن بيطار أنجز كامل الرواية حول شحنة النيترات منذ عملية شحنها وصولا الى لحظة الإنفجار الرهيب. وخلال الشهرين الماضيين وعدت إحدى الجهات الدولية بإرسال ملفات تقنية مفصلة لتدعيم ملف التحقيق. لكن هذا لم يحصل بعد وتحت أعذار شتى. ومنذ مدة قصيرة أبلغت هذه الجهة الدولية أنه ولأسباب مختلفة ستتأخر بعض الشيء في تسليم لبنان هذه الوثائق التقنية المهمة. ولا شك بأن هذه الجهة الدولية تدرك جيدا بأنها تسعى لتوقيت آخر لصدور هذا القرار والذي سيشكل مفصلا أساسيا في مسار البلد، خصوصا وأن هنالك مذكرات توقيف ستواكب صدور القرار الظني. ما يدفع للإستنتاج بأن التوقيت الذي تتحكم فيه هذه الجهة الدولية، لا بد أنه يخضع لحسابات أكبر وأوسع. مع الإشارة الى أن التأخير هو لبضعة أسابيع أو لأشهر معدودة في أسوأ الأحوال.
في الخلاصة فإنه من الواضح بأن رفض إسرائيل الذهاب الى وقف نهائي لإطلاق النار إن في غزة أو في لبنان يعكس بوضوح قرارها باستمرار الحرب لتحقيق أهداف كبيرة لم تتحقق بعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى