
زحلة كما دائماً: حصار، فمقاومة، فإنتصار. عبارة كتبها النائب جورج عقيص يوماً ، لكنها في الحقيقة تختصر وجدان مدينة لا تعرف الانحناء. مدينة وُلدت من رحم الجراح، وأصرّت أن تكون أيقونةً للصمود والانبعاث.في زحلة لا تمرّ المراحل كما تمرّ في سائر المناطق. فالحصار فيها ليس فقط عسكريًا أو اقتصاديًا، بل هو حصار على الدور والموقف والهوية. مقاومتها لم تكن حكرًا على السلاح، بل كانت بالكلمة، بالشعر، بالصناعة، بالتعليم، وبالتمسّك بالقيم. أما الانتصار، فلم يكن يومًا نشوة عابرة، بل تراكم نضال طويل في سبيل الكرامة والريادة.
زحلة، المدينة التي وقفت على شرفة الشرق الأوسط وقالت: “أنا هنا”. لم تساوم على كرامتها، ولم تُغوِها الرياح العابرة. كل حصار مرّ عليها، كان يوقظ فيها نبضًا قديمًا، يعيدها إلى ذاتها الأولى، إلى تلك الجذوة التي لا تنطفئ. واجهت زحلة كل أنواع الحصار حاول البعض تحييدها عن القرار الوطني. عانت من التهميش وصمدت. استُهدفت في عمق هويتها، فأنجبت شعراء وأدباء ملأوا الضوء في الشرق. مقاومة زحلة لم تكن سلاحًا فقط، بل كانت فكرة. كانت امرأة تعلّم أبناءها الرجولة ، ورجلًا يزرع عنبًا في تلال زحلة ، وشابًا يكتب على الجدران أن “الكرامة لا تُشترى”. زحلة لا تُساير ، بل تراكم جراحها وتحوّلها إلى مدرسة صبر. تجيد لغة الانتظار دون أن تقع في فخّ الاستسلام. وتعرف أن الكبرياء ليس عنادًا أجوف، بل إيمانٌ عميق بأن ما يُزرع بالموقف يُحصَد بالمجد.
زحلة ، من مقاومة الاحتلال السوري، إلى صقيع التهميش الإنمائي، إلى محاولات إسكات صوتها الحر، بقيت زحلة شوكة في خاصرة كل من أراد إذلالها أو نسيانها.ولا عجب أن تكون مدينة البشارة والكرامة، ومدينة الكتاب والصناعة والنبيذ والفكر المقاوم. زحلة لم تقف عند حدود الألم، بل حولت وجعها إلى منارة. في كل مرة حوصرت، ولدت فيها شرارة. وفي كل مرة خُنقت، اخترعت لنفسها منفذًا إلى الضوء. زحلة اليوم رغم الأزمات الاقتصادية والهجرة والإهمال، لا تزال على العهد: أن تقاوم وأن تنتصر . إنها زحلة كما دائمًا تُقاوم على طريقتها، وتنتصر بصمت الجبال وصبر الكبار ، وهي تُعلّم الوطن كله أن المجد لا يُورّث… بل يُنتزع . زحلة ليست مجرد مدينة، بل رسالة. رسالة لكل لبنان: أن الأوطان لا تُبنى بالحياد بل بالمواقف. نعم الكرامة لا تُصان بالكلام بل بالفعل ، وأن التفوق ليس حدثًا… بل مسارٌ طويل من العمل.